من خلال سنوات عملي في إدارة المشاريع وفرق العمل، اكتشفت أن كثيرًا من المشكلات لا تبدأ بسبب نقص الخبرات أو ضعف الإمكانيات، بل بسبب غياب مهارة بسيطة في ظاهرها، عظيمة في أثرها... الاستماع.
في كثير من الاجتماعات، يتحدث المختص ليشرح مشكلة أو يقدم حلاً أو يحذر من خطر قد يواجه المشروع. وبينما هو يتحدث، تجد بعض الحاضرين منشغلين بالرد على الرسائل، أو يتصفحون هواتفهم، أو يفكرون في موضوع آخر. ثم بعد دقائق، يفاجئ الجميع بسؤال تمت الإجابة عنه بالفعل.
في تلك اللحظة، لا تكون المشكلة أن الشخص نسي، بل أنه لم يستمع أصلًا.
الاستماع ليس مجاملة، وليس مجرد انتظار دورك في الحديث، بل هو احترام للآخرين، واحترام للوقت، واحترام للعلم والخبرة.
ومن أكبر الأخطاء التي يقع فيها بعض المسؤولين أنهم يعتقدون أن المنصب يمنحهم المعرفة الكاملة. بينما الحقيقة أن كل تخصص له أهله، وكل مجال له خبراؤه. فالقائد الناجح لا يحاول أن يكون أعلم من الجميع، بل يعرف متى يصمت ليستمع إلى الشخص الأكثر خبرة في الموضوع المطروح.
كم من مشروع تعثر لأن تحذير المهندس لم يُسمع؟
وكم من خطأ كان يمكن تجنبه لو أُعطيت الكلمة للمختص واستُمع إليه بتركيز؟
وكم من موظف متميز توقف عن طرح أفكاره لأنه شعر أن لا أحد ينصت إليه؟
في بيئات العمل الاحترافية، لا تُقاس الاجتماعات بعدد المتحدثين، وإنما بجودة الاستماع. فالقرار الجيد لا يولد من كثرة الكلام، بل من فهم جميع الآراء، وتحليلها، والاستفادة من خبرات أصحاب الاختصاص.
ومن المؤسف أن الهواتف الذكية أصبحت اليوم أحد أكبر أسباب فقدان التركيز داخل الاجتماعات. قد يظن البعض أن إلقاء نظرة سريعة على الهاتف أمر بسيط، لكنه في الحقيقة يقطع سلسلة التركيز، ويُفقد المتحدث شعوره بالتقدير، ويؤثر في جودة النقاش، ثم يؤدي إلى إعادة ما قيل مرة بعد أخرى، فيضيع وقت الجميع.
القائد الحقيقي لا يقاطع المختص، ولا ينشغل عنه، ولا يصدر أحكامه قبل أن يستمع إلى جميع الحقائق. فهو يدرك أن أفضل القرارات تُبنى على المعرفة، والمعرفة تبدأ بالاستماع.
وربما أجمل قاعدة يمكن أن نتذكرها في كل اجتماع هي:
إذا كان لديك الوقت لتتحدث، فاجعل لديك الوقت لتستمع. وإذا كان أمامك مختص، فاستمع إليه وكأن نجاح القرار يعتمد على كلماته... لأنه في كثير من الأحيان يعتمد عليها فعلًا.
فالفرق الناجحة لا تتميز بكثرة الاجتماعات، بل بثقافة الإنصات، واحترام الرأي، وتقدير الخبرة. وعندما يصبح الاستماع عادةً داخل المؤسسة، تتحسن جودة القرارات، وتقل الأخطاء، ويشعر الجميع بأن أصواتهم مسموعة، فتتحول الاجتماعات من مجرد تبادل للكلام إلى صناعة حقيقية للنجاح.